fbpx
مصدر الصورة: ساوث تشاينا مورنينغ بوست

شي جين بينغ يتطلع إلى نقل الصين إلى ما بعد عصر “الثراء” لدينغ شياو بينغ بولاية ثالثة تاريخية

شارك هذا المقال...

في صباح بارد في منتصف شهر يناير / كانون الثاني الماضي، وقف أكثر من عشرين من كبار مسؤولي الحزب الشيوعي مرتدين معاطف سوداء لحمايتهم من برد الشتاء في صفوف في فناء قصر غوهونغ حيث أكبر وكالة تخطيط اقتصادي في الصين.

اجتمعت المجموعة لإطلاق مركز شي جين بينغ لأبحاث الفكر الاقتصادي، وهي المؤسسة البحثية الثامنة عشرة التي يتم إنشاؤها منذ أن بدء العمل على ترسيخ فلسفة الرئيس الصيني في الدستور في عام 2018.

في يوم سابق، أعلنت الصين أن ناتجها المحلي الإجمالي قد نما بنسبة 8.1% إلى 114 تريليون يوان (16.8 تريليون دولار أمريكي) في عام 2021، متجاوزة التوقعات ومقتربة من أن تحل محل الولايات المتحدة باعتبارها الاقتصاد الأول في العالم.

لم يعكس التنصيب قبضة شي القوية على السلطة فحسب، بل أظهر مدى مركزية تفكيره الاقتصادي الذي يطلق عليه اسم “شينوميكس”.

منذ توليه منصبه في عام 2013، وسع شي النفوذ الاقتصادي الصيني في الخارج من خلال مبادرة الحزام والطريق وقدم استراتيجية اقتصادية تتطلع إلى الداخل. لقد أحدث شي هزة في الصناعات الرئيسية وزعزع تهديدات الولايات المتحدة. كرئيس، ترك بصماته على الاقتصاد مثل قليلين من قبله.

يقول ستيف تسانغ مدير معهد الدراسات الشرقية والإفريقية (SOAS) الصيني في لندن: “إن شي جين بينغ يسعى لنقل الصين إلى حقبة جديدة واتجاه جديد للسفر وفقًا لفكره وليس بموجب سياسة دينغ شياو بينغ. وما إذا كان سينجح أم لا فهذه بالطبع مسألة أخرى”.

ستكون فلسفة شي الاقتصادية في دائرة الضوء في المؤتمر العشرين للحزب في الخريف، حيث من المرجح أن يؤدي اليمين لولاية ثالثة.

من الناحية التاريخية، يعد هذا الحدث فرصة للقادة الصينيين لمراجعة السياسات السابقة وتحديد اتجاه التنمية الجديدة. غالبًا ما يهيمن الاقتصاد الذي يستمد منه الحزب الشيوعي شرعيته على المناقشات، على الرغم من أن الكونغرس اشتهر بتكوين مجموعة جديدة من القادة كل خمس سنوات.

بعد الجولة الجنوبية للزعيم الراحل دنغ شياو بينغ في عام 1992، استأنف الحزب مهمته في بناء اقتصاد سوق اشتراكي والانفتاح وسط العزلة عن الغرب.

في عام 1997، تم الاعتراف بالشركات الخاصة لأول مرة باعتبارها جزءًا مهمًا من الاقتصاد وتم السماح لرجال الأعمال رسميًا بالانضمام إلى الحزب بعد خمس سنوات.

سيضع المؤتمر هذا العام أسس هدف شي المتمثل في مضاعفة الناتج المحلي الإجمالي وكذلك نصيب الفرد من الدخل بحلول عام 2035 أو ما يشار إليه بأساس التجديد العظيم للأمة الصينية.

معالجة “الروابط الضعيفة”

تمر الصين بمرحلة حرجة من التطور. فعلى مدى العقد الماضي، نما الاقتصاد بشكل مطرد والبلاد الآن على وشك الانضمام إلى دول الدخل المرتفع.

من ناحية أخرى، تواجه الصين العديد من التحديات من أزمة ديموغرافية وتباطؤ النمو وديون وانحسار العولمة وتوترات جيوسياسية مع الغرب ووباء فيروس كورونا.

إن مدى نجاح الصين في التغلب على هذه التحديات سيعود إلى حد كبير إلى شي، الذي أعاد تشكيل مؤسسات صنع القرار الاقتصادي الرئيسية في البلاد، وبالأخص لجنة الشؤون الاقتصادية والمالية المركزية.

قال شي لكبار الكوادر في الحزب في أواخر يوليو / تموز: “يجب علينا أن نتفهم بحزم المشاكل المتعلقة بالتنمية غير المتوازنة وغير الكافية والتركيز على تحسين الروابط الضعيفة وتوطيد الأسس والاستفادة الكاملة من مميزاتنا. هناك حاجة إلى أفكار وتدابير جديدة لحلها”.

بمساعدة نائب رئيس الوزراء وكبير المستشارين الاقتصاديين ليو هي، كانت فترة ولاية شي الأولى ما بين عامي 2013 و2018 مخصصة لمعالجة المشكلات المحلية مثل الديون المرتفعة وانحسار عولمة الصين والقدرة الصناعية الزائدة وعدم المساواة. وقد تم وضع التعديلات الهيكلية وحملات التخلص من المخاطر على رأس جدول الأعمال.

سيطر على ولاية شي الثانية تفشي ڤيروس كورونا بالإضافة إلى الحرب التجارية مع الولايات المتحدة التي دفعت علاقات البلدين إلى أسوأ نقطة لها منذ أربعة عقود.

في ظل حالة عدم اليقين في الخارج، اتجه شي نحو الداخل من خلال استراتيجية “الدورة المزدوجة” في عام 2020، مع التركيز على السوق المحلية الضخمة في الصين والتكنولوجيا المحلية لتعزيز النمو المستقبلي. وقال بعض المحللين أن ذلك يمثل تحولًا عن نموذج التنمية الصيني الموجه للتصدير منذ عقود والمشاركة في النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة.

في الداخل، سعى شي أيضًا إلى الحد من عدم المساواة من خلال استراتيجية الحكومة “الرخاء المشترك” وتعهد بجعل الشركات المملوكة للدولة “أكبر وأفضل وأقوى”.

أدى دعمه للشركات المملوكة للدولة، والتي انحرفت عن الدعوات الطويلة الأمد للإصلاح الموجه نحو السوق، إلى إثارة المخاوف بشأن مكانة الشركات الخاصة في الاقتصاد. تم تضخيم هذه المخاوف بسبب الحملة التنظيمية الحكومية على شركات التكنولوجيا الكبرى ومنصات التعليم الخاص.

لقد هزت الحملة على شركات التكنولوجيا الكبرى وسياسة بكين المتشددة صفر كوڤيد ثقة العديد من المستثمرين الأجانب.

قال بيان المركز السنوي الصادر عن غرفة التجارة البريطانية في الصين الذي صدر في مايو / أيار: “تفشي الوباء المتقطع في جميع أنحاء البلاد مؤخرًا والإغلاق المفاجئ المقابل قد أزال أحد الأشياء التي تمكنت معظم الشركات من الاعتماد عليها: وهي بيئة أعمال مستقرة يمكن التنبؤ بها نسبيًا”.

أظهر استطلاع سريع تم اجراءه عندما كانت شنغهاي تمر بفترة إغلاق لمدة شهرين – شاملًا 372 شركة أوروبية في الفترة من 21 إلى 27 أبريل / نيسان – أن 23% من المشاركين يفكرون في تحويل الاستثمارات الحالية أو المخطط لها إلى خارج الصين.

مع فترة ولاية ثالثة في الأفق للرئيس شي، يجب طرح عدد من الأسئلة المهمة حول مستقبل الاقتصاد الصيني مثل: ما مدى أهمية الأيديولوجيا في التنمية؟ ماذا سيحدث لشعار دينغ بشأن الإصلاح والانفتاح؟ وكيف سيكون أداء رواد الأعمال الصينيين والمستثمرين الأجانب في السنوات القادمة؟

من الثراء إلى القوة

يقول تايلور لوب المحلل في شركة الأبحاث تريڤم تشاينا (Trivium China) أن البلاد تنتقل من عصر دينغ ذا توجه “أن تكون ثريًا” إلى عصر شي ذا توجه “أن تكون قويًا”. يبدو نهج شي كمزيج من سياسات إعادة توزيع الثروة والتركيز على الاعتماد على الذات ومرونة سلسلة التوريد وحياد الكربون والاستقرار ودعم الجودة مقابل الكمية.

يقول لوب: “الدولة هي القوة الدافعة وراء تحقيق كل ما سبق. ستصبح سياسات الصين الاقتصادية أكثر توجهاً نحو الداخل”.

توقف إصلاح السوق في الصين في عهد شي بحسب مشروع تشاينا داشبورد (China Dashboard) المشترك بين معهد مجتمع آسيا للسياسات ومجموعة روديوم (Rhodium) والذي يراقب إصلاحات بكين. لم يكن هناك تقدم أو تراجع فعلي في السياسة في معظم السلال العشر الرئيسية للإصلاح التي تم تحديدها في نوفمبر / تشرين الثاني 2013 والتي تشمل إعادة هيكلة الشركات المملوكة للدولة وسياسات المنافسة وإصلاحات الأراضي والضرائب.

نمت أصول المؤسسات الصناعية المملوكة للدولة بمقدار 2.6 مرة لتصل إلى 259 تريليون يوان (38.3 تريليون دولار أمريكي) مقارنة بعقد مضى.

يقول نيكولاس لاردي الزميل في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي (Peterson Institute for International Economics) أن “شينوميكس” تتضمن المزيد من السياسات الصناعية ودعمًا أقوى للشركات الحكومية، بينما تتحدث فقط عن عدم المساواة.

مضيفًا أنه لم يكن هناك “نقاش جاد” حول الإصلاح الاقتصادي بل استمرار للسياسات غير الفعالة للشركات المملوكة للدولة مثل خصخصة الإدارة ومقايضات الديون وحقوق الملكية وعمليات الاندماج الضخمة.

ومع ذلك، أشار لاردي إلى أن الشركات الخاصة تواصل نموها بوتيرة أسرع من نظيراتها الحكومية.

ويقول لاردي: “تظل عائداتهم أعلى بكثير، ويتم تمويل معظم الاستثمار من الأرباح المحتجزة، وقد تم عرقلة الاستثمار الخاص بشكل ملحوظ بسبب بيئة السياسة العامة”. يذكر أن لاردي قد استعرض دور الدولة الصينية المتجدد في الاقتصاد في عهد شي جين بينغ في كتابه ستيت ستريكس باك (State Strikes Back) الصادر عام 2018.

لم يتوقع ديريك سيسورس الزميل البارز في معهد أمريكان إنتربرايز (American Enterprise Institute) أي تغيير في السياسة الاقتصادية الشاملة بعد المؤتمر.

وقال: “جوهر نهج شي هو أن الاقتصاد تابع للسياسة، وأنه يجب التضحية بالمكاسب الاقتصادية إذا جلبت مخاطر سياسية”، مشيرًا إلى أن الاقتصاد الصيني بدأ يفشل في تحقيق قدرة النمو في عام 2015.

إصلاح غير مكتمل

ربما يكون الإصلاح قد تباطأ في عهد شي، لكن معالجة القضايا الهيكلية العميقة لا تزال حاسمة كما كانت دائمًا، كما يقول الاقتصاديون.

تعتبر معالجة الفجوة بين المناطق الحضرية والريفية في البلاد إحدى المهام الملحة، بما في ذلك المزيد من إصلاح نظام هوكو الذي يحد من الأماكن التي يمكن للناس العيش والعمل فيها وتلقي الخدمات العامة. ويقول محللون أن هناك حاجة أيضا إلى مزيد من الإنفاق في المناطق الريفية.

يتمتع العمال المهاجرون وسكان المدن بخدمات عامة مختلفة. وقد قال تساي فانغ الاقتصادي العمالي البارز ومستشار البنك المركزي في منتدى كايكسين في أوائل يوليو / تموز: “إنه أمر ملح لكسر الهيكل المزدوج الحضري الريفي”.

لا يزال صانعو السياسة الصينيون ينظرون إلى التحضر الذي يجذب العمالة إلى قطاعات إنتاجية أعلى على أنه وسيلة رئيسية لدفع النمو وتضييق الفجوات بين المدن والريف.

قال هوانغ كيفان رئيس بلدية تشونغ تشينغ السابق: أن المرحلة التالية من الإصلاح يجب أن تركز على كيفية بناء سوق موحدة.

وقال هوانغ، وهو الآن أستاذ زائر في جامعة فودان في شنغهاي: “هذه أولوية قصوى لإطلاق العنان لإمكانات السوق الموحدة الضخمة للاقتصاد الصيني وتشكيل مجال جاذبية قوي للاقتصاد العالمي. نحن بحاجة إلى استخدام عقل إصلاحي وتدابير براغماتية لإزالة العقبات في النظام الاقتصادي والتداول الداخلي وتوسيع مساحة السوق الجديدة بسياسات جديدة”.

من غير الواضح ما إذا كان شي سيستجيب لهذه الدعوات. لا تزال الصين راسخة بعمق في سلسلة التوريد العالمية وجاذبة للاستثمارات الأجنبية. لكن رفضها للمزيد من الانفتاح على الاقتصاد قد يكون له عواقب، وفقًا لبعض المحللين.

قال ديفيد زويغ الأستاذ الفخري في جامعة هونغ كونغ للعلوم والتكنولوجيا أنه من غير المرجح أن يعود الإصلاح الاقتصادي إلى صدارة اهتمام صنع السياسات على المدى القصير.

وقال: “لا يزال السوق المحلي الصيني قوة جاذبة قوية، وعنصر جذب للشركات الأجنبية على الرغم من المخاطر التي قد يؤدي إليها دخول السوق الصينية على استمرارية هذه الشركات. ولكن مع ازدياد وضوح هذا التهديد الذي يحيط بالشركات الأجنبية والأمن الاقتصادي لدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فإن النزعة التجارية الصينية ستبقي العلاقات مع العالم أكثر عدائية بكثير مما كان سيحدث في ظل استراتيجية أكثر انفتاحًا وموجهة نحو السوق”.

اقرأ أيضًا برجيل الإماراتية تخطط للتوسع في السعودية باستثمارات تصل إلى مليار دولار

المصدر: ساوث تشاينا مورنينغ بوست

close

النشرة الاخبارية المجانية الاسبوعية 🎁

في هذه النشرة الاسبوعية ستحصلون على آخر اخبار عالم المال
و الاقتصاد في العالم عموماً و العالم العربي خصوصاً

لن نكثر من النشرات الالكترونية! نشرة واحدة اسبوعية فقط

شارك هذا المقال...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.